عبد القاهر بن طاهر البغدادي

90

الملل والنحل

الالزام متوجه على أبي الهذيل ، لأنه يقول إن الكاذب منا انما كان كاذبا لأنه فعل الكذب ، ولا يلزمنا على أصلنا ، لان الكاذب عندنا من قام به الكذب ولا من فعله . - ومن فضائحه أيضا قوله بطاعات كثيرة لا يراد بها اللّه عز وجل ، وانه يجوز ان يطيع اللّه بأنواع كثيرة من الطاعات من لا يعرفه ، فليس على الأرض زنديق ولا ملحد الا وهو عنده مطيع للّه تعالى من وجوه ، وان عصاه من جهة كفره . - وقال أصحابنا ان الطاعة للّه قبل معرفته انما يصح في شيء واحد وهو النظر الواجب على العاقل ليتوصل به / إلى معرفة ربه عز وجل ، فإنه طاعة منه ، لأنه مأمور به قبل معرفته بربه تعالى . ولا يصح من أحد طاعة للّه تعالى في غير ذلك الا بعد ان يعرفه ويقصد به التقرب بها إليه . وكان أبو الهذيل يحتج لبدعته هذه بان يقول إن أوامر اللّه تعالى بإزائها زواجر ، فلو كان من لا يعرف اللّه تعالى تاركا لجميع أوامره وجب ان يكون قد صار إلى جميع زواجره ، ووجب من هذا ان يكون الدهري نصرانيا يهوديا مجوسيا وثنيا ، وهذه اغلوطة منه . وجوابه عنها ان كل طاعة يضادها معارض متضادة ، وبكل واحد منهما يخرج عن الطاعة والايمان وإذا دخل في نوع من الكفر خرج عن اضداده من أنواع الكفر ، كما يخرج به عن الايمان . وهذا واضح في نفسه . - ومن فضائحه أيضا قوله بان علم اللّه هو اللّه / وقدرته هي هو « 1 » ، ويلزمه على هذه البدعة أمران : أحدهما انه يوجب عليه ان يكون علمه هو قدرته لرجوعهما إلى ذات واحدة ؛ ولو كان علمه قدرته لوجب ان يكون معلوماته مقدورات له ، فيكون ذاته مقدورا له ، كما هو معلوم له . وهذا الحاد مما يؤدي إليه مثله . - ومن فضائحه بقسمة كلام اللّه تعالى قسمين : قسمة لا في محل ، وهو قوله الشيء « كن » ، وباقي كلامه في محل ، مع كون القسمين عرضين حادثين . فاما قوله بحدوث إرادة الاله في محل فقد شاركه فيه البصريون من المعتزلة . فهذه أقواله في ربه ، لا شكرا للّه له أقواله . وكم له فضائح لو وضعت على الجبال دكدكت جباله .

--> ( 1 ) ردت المعتزلة الصفات إلى الذات الإلهية . انظر : كتابنا « فلسفة المعتزلة » الجزء الأول : التوحيد من ص 37 إلى ص 55 - مطبعة نشر الثقافة - الإسكندرية 1950 .